أخبار اليوممقالات الكُتاب

عبد الحليم قنديل يكتب..عودة إلى السودان

جريدة بكره احلى الاخبارية رئيس مجلس الإدارة والتحرير وجدى وزيرى 

مع قرب انقضاء عامين على حرب السودان الأخيرة الممتدة منذ 15 أبريل 2023 ، انفتحت طاقة أمل عظيم فى وقف انهيار الكيان السودانى ، واستعادة وحدته الجغرافية والسياسية ، مع نجاح الجيش والقوات الرديفة فى تحرير ولاية الخرطوم بكاملها ، وطرد قوات التمرد والمرتزقة الأجانب ، وتطهير مدن العاصمة المثلثة ، وعودة المطار والقصر الجمهورى ومقار الوزارات والأجهزة السيادية والبنك المركزى ومقار القيادة العامة للقوات المسلحة والأسلحة الفرعية والإذاعة والتليفزيون وقواعد جوار الخرطوم الجوية ، كانت المعارك مريرة ، استغرقت شهورا طويلة دامية ، بدأت بتحرير “أم درمان” ، وانتهت بإعادة تحريرها من جيوب التمرد التى هربت إلى جنوبها ، بعد معارك فى “الخرطوم بحرى” و”الخرطوم” ذاتها ، وكان تحرير ولاية “الخرطوم” تتويجا لانتصارات توالت عبر الستة شهور الأخيرة ، كان مفتاح التحول فيها معركة تحرير “جبل موية” ، تلك المنطقة الاستراتيجية المرتفعة (464 مترا فوق سطح البحر) ، التى تربط ولايات “النيل الأبيض” و”سنار” و”الجزيرة” ، وبما فتح الطريق لتحرير ولايتى “سنجار” و”الجزيرة” بعاصمتها الشهيرة “ود مدنى” ، وتمكين الجيش من إعادة تنظيم قواته وخططه ، وإنهاء معارك الخرطوم فى ضربة الحسم الكبرى .
وبعد معارك الأربعة والعشرين شهرا ، التى بدت فيها قوات التمرد (الدعم السريع) متفوقة ميدانيا أغلب الوقت ، وقادرة على اكتساح ولايات الوسط ، وتهديد الولايات الشرقية ، وبما اضطر المجلس السيادى بقيادة قائد الجيش الجنرال “عبد الفتاح البرهان” إلى ترك الخرطوم ، والانتقال إلى عاصمة مؤقتة فى ميناء “بورتسودان” ، فقد كانت “القيادة العامة للقوات المسلحة” محاصرة من قوات “الدعم السريع” ، التى عاثت فسادا ونهبا واغتصابا فى الأعيان المدنية ، وفى أرقى أحياء الخرطوم وأسواقها وأبراجها الشاهقة ، وبما دفع أغلب سكان الخرطوم للهرب واللجوء إلى خارج الخرطوم ، أو إلى خارج السودان كله ، إضافة لتدمير قوات التمرد لمتاحف الخرطوم والجامعات والمكتبات والمصانع ، كان الأمر اشبه باجتياح قوات “التتار”فى زمانها لحواضر العالم الإسلامى ، وكانت استعادة الجيش أخيرا للخرطوم نوعا من استعادة الأمل فى بعث السودان مجددا ، فقد اجتمعت ولايات الشمال والشرق والوسط إلى سلطة مركزية واحدة ، وإن كانت للقصة بقية ، فلا تزال أغلب ولايات إقليم “دارفور” فى الغرب تحت سيطرة قوات التمرد ، إضافة لأجزاء من ولاية “غرب كردفان” ، مع نقاط سيطرة أصغر لمجموعات تمرد أقدم ، بينها قوات جماعة (جيش تحرير السودان) بقيادة “عبد الواحد نور” فى “جبل مرة” شمال “دارفور” ، وقوات جماعة (الحركة الشعبية ـ شمال) بقيادة “عبد العزيز الحلو” ، والأخيرة موجودة فى بعض مناطق “كردفان” ، وأشهرت تحالفها مع قوات “الدعم السريع” أخيرا ، ولعبت دورا جوهريا مع قيادة “الدعم السريع” وأنصارها السياسيين فى مؤتمر “نيروبى” الذى عقد مؤخرا ، وكون ما عرف باسم تحالف إعادة التأسيس ، ودعا لما أسماه ميثاق السودان الجديد ، وإنشاء حكومة موازية بديلة عن حكومة “البرهان” المعترف بها دوليا ، كانوا يتطلعون ـ على ما يبدو ـ لإعلانها فى الخرطوم ، قبل أن تأتى حوادث الأيام الأخيرة لتصدم دعاة تقسيم السودان ، وتحرر الخرطوم مع تأكيد سيطرة الجيش على ثلثى ولايات السودان ، وإن كان خطر التقسيم لا يزال يطل برأسه ، بسبب سيطرة قوات “الدعم السريع” على أربع ولايات فى إقليم “دارفور” ، والسعى لاستكمال السيطرة على الولاية الخامسة “شمال دارفور” ، وهى الأوسع مساحة فى إقليم “دارفور” ، الذى تعادل مساحته الكلية وتزيد على مساحة بر”فرنسا” (675 ألف كيلومتر مربع) ، ومن شهور مضت ، تدور معارك طاحنة حول مدينة “الأبيض” عاصمة ولاية “شمال كردفان” ، وإلى أقصى الغرب فى مدينة “الفاشر” عاصمة ولاية “شمال دارفور” ، التى لا تزال قوات الجيش تحارب فى داخلها ، ومعها القوات المشتركة من جناحى حركة العدل والمساواة الأفريقية (بقيادة منى أركومناوى وجبريل إبراهيم) ، فيما لا تزال قوات التمرد تسيطر على أغلب محليات ولاية “شمال دارفور” ، وأضافت إليها مؤخرا منطقة “المالحة” شمال مدينة “الفاشر” ، والأوضاع فى “دارفور” بولاياتها الخمس بالغة الحرج ، فهى مركز الثقل والمورد الأساسى لقوات التمرد ، التى يقودها “محمد حمدان دقلو” (حميدتى) ، الذى لم يكمل تعليمه الابتدائى ، وأصبح يحمل رتبة عسكرية عالية (فريق أول) ، وهو ينتمى قبليا إلى فخذ “المحاميد” من قبيلة “الرزيقات” أكبر القبائل العربية فى غرب السودان ، وفى “تشاد” ودول الساحل الأفريقى ، وفى “دارفور” خليط هائل من القبائل العربية والقبائل الأفريقية ، والأخيرة مستقرة وتعمل غالبا بالزراعة ، بينما القبائل العربية كانت من البدو الرحل وتتنقل باستمرار وتعمل بالرعى ، وفى أوساطها تطورت سيرة “حميدتى” ، الذى بدأ حياته العملية كتاجر إبل ومواشى ، ثم أنشأ عصابة حراسة لقوافل التجارة فى الصحراء الموحشة ، ثم كانت النقلة الكبرى فى حياته مع حرب “دارفور” الأهلية بين القبائل العربية والأفريقية ، التى سقط فيها أكثر من 300 ألف قتيل ، وكانت جماعات “الجنجويد” تحارب باسم القبائل العربية السبع والعشرين ، واشتهرت بارتكاب الفظائع ضد قرى القبائل الأفريقية ، وبالذات ضد “المساليت”و”الفور” ، وذهبت حكومة الخرطوم زمن حكم الجنرال “عمر البشير” لشراء خدمات “الجنجويدى” الصاعد “حميدتى” ، الذى كان البشير يطلق عليه تدليلا لقب “حمايتى” ، وصعد “حميدتى” بسرعة إلى المشهد الأمامى ، وإلى أن اعترفت الحكومة رسميا بقواته ، وأطلقت عليها اسم “قوات الدعم السريع” ، وبعد ثورة ديسمبر 2019 ، شارك “حميدتى” مع “البرهان” فى الإطاحة بالبشير وجنرالات لجنته الأمنية ، وبقية القصة معروفة ، فقد صار “حميدتى” نائبا للفريق أول “البرهان” فى رئاسة المجلس العسكرى فالمجلس السيادى ، وتضخمت قوات “حميدتى” من 19 ألف عنصر قبل الثورة إلى نحو 120 ألفا ، وزاد عديدها فى الخرطوم على عديد قوات الجيش نفسها ، إضافة لنفوذ “حميدتى” المالى الهائل ، ومده الجسور مع عواصم إقليمية خليجية وأفريقية ، وحيازته لموارد الذهب الغنية فى “جبل عامر” شمال مدينة “الفاشر” ، وهو ما مكنه من توسيع قاعدة نفوذه ، وشراء ولاء قيادات سياسية وآلاف المرتزقة الأجانب وذمم حكام فى عواصم أفريقية مجاورة ، وأغرته قوته بالانقلاب على حكم “البرهان” فى الخرطوم ، وهو الحلم الذى تحطم أخيرا مع انتصارات الجيش ، لكن الأطراف الخارجية التى يعمل معها ، ربما تعول اليوم على فصل غرب السودان فى “دارفور” بالذات عن السودان كله ، والمفارقة هنا ، أن “حميدتى” الذى كان أداة لحكام الخرطوم فى قمع تمرد “دارفور” ، أصبح اليوم عنوانا لتمرد أوسع ، انحسرت قواعده إلى “دارفور” نفسها ، وربما تكون مهمة اقتلاع قواته من “دارفور” أصعب من حرب الخرطوم ، وربما يحتاج الأمر من قيادة “البرهان” إلى طرق مختلفة لاستعادة “دارفور” ، أهمها كسب تأييد ودعم الطيف الأوسع من القبائل العربية مع القبائل الأفريقية هناك .
وبالجملة ، تبدو استعادة الخرطوم نقلة كبيرة فى مسار الحرب الجارية ، فقد أبعدت شبح تقسيم السودان وتحطيم دولته ، لكن هدف استعادة وحدة السودان واستقراره لا يزال بحاجة لاستكمال ، ويلزمه ما هو أكثر من تصفية التمرد ، فالسودان بلد شاسع المساحة حتى بعد انفصال الجنوب ، ومساحته الحالية تقارب المليونى كيلومتر مربع ، وموارده الطبيعية المتنوعة هائلة ، وتجلب إليه مطامع المتربصين إقليميا ودوليا ، وموقعه استراتيجى حاكم على ضفاف البحر الأحمر ومسار نهر النيل ، وتكوينه العرقى والقبلى بالغ التعقيد ، ففيه أكثر من 570 مجموعة قبلية ، وقد تقلب حكمه بين العسكريين والمدنيين منذ إعلان استقلاله عام 1956 ، وتوالت حروبه الداخلية المهلكة منذ ما قبل إعلان الاستقلال ، وانفصل عنه جنوبه قبل عقد ونصف العقد ، وما من أمل فى الخروج من دوائر الاحتراب المفرغة ، إلا أن تقوم فى السودان دولة مركزية قادرة وعادلة ، تحكم قبضتها على الاتساع والتنوع السودانى ، وتلغى مظالم التهميش عند سكان الأطراف ، وتوزع السلطة والثروة بالعدالة الاقتصادية والمشاركة السياسية ، ونقطة البدء ـ فيما نتصور ـ أن يقوم فى السودان جهاز دولة واصل بهيبته وخدماته إلى الربوع كلها ، فالقصة أكبر من صراعات مدنيين وعسكريين ، ومن تفضيلات مزاجية لحكم عسكرى أو حكم مدنى ، أضف ما يعانيه السودان من مخاطر تمزق ، فهو محاط بدول فاشلة وشبه فاشلة فى أغلبها ، تخترق صراعاتها الداخلية حدود السودان مع جواره بالعمق الأفريقى ، وقد لا تفيد جولات التفاوض المعتادة كثيرا ، وفى حرب الجنوب الأشهر والأطول ، التى سقط فيها أكثر من مليون قتيل ، لم ينته التفاوض بعد الحرب إلى نتائج نافعة ، لا لشمال السودان العربى ولا لجنوبه الأفريقى ، وحفظ ما تبقى من السودان موحدا ، يلزمه ـ فيما نظن ـ رد اعتبار الجيش الموحد ، القائم على مبدأ التجنيد القومى العام ، والمكون لنواة امتزاج وتجانس سودانى صلبة .
Kandel2002@hotmail.com

بكره أحلى

رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير : وجدى وزيرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock